والحنين يفتكّ بك ولا يرحمُك... فأيّ حنينٍ أوجعُ إذا كان لامرئٍ فقدتَه؟
أما بعد، فإني لم أزر ريفا قط، إلا أني أشعر بجماله؛ فإني كلّما رأيته تحنّ نفسي إلى شيءٍ قديم، ربما إلى لوحات جدتي التي تضمنَتْ مناظر الريف في بيتها القديم ذي الواجهة الحجرية.
إلى مكتبة جدي التي كُنتُ أختبئ فيها، فتكون لي ملجأً.
إلى الحليب الذي تصنعه جدتي، وقد كنتُ أسميه باسمها، فلم أر أحدا يتقنه مثلها، كان لذيذا مع ذلك الرغيف المملوء بالجبن!
أحاديثنا في تلك الغرفة العلوية مع بنات عمتي لها طعم خاص أحنّ إليه، حينما كُنت أُجبَر على السهر ظنًّا منا أنه حلوٌ لذيذ، وأنّا نفعل فيه ما نراه ممتعا؛ حيث إنَّ سكونه يجذبنا، فنتوّهم أن به لذّةً لا نجدها في النهار، ربما ذاك الظلام الأسحم الذي يُغطّي أفعالنا الطفولية، إلا أني أسقط كالميْتة فأنام نوما عميقا، وقد أفسدتُ عليهم سهرتهم تلك!
قد كنتُ لا أعرف إلا أبي وأمي وجدتي وجدي، وخوفي عليهم من أن يصيبَهم مكروه، وابنة عمتي التي كنتُ أرى أنها الصديقةُ الوحيدة لي في هذه الدنيا وأني لن أعرف غيرها!
كنت أظنهم عالمي، لا أعرف غيرهم ولن أعرف.
ماذا حدث؟ ...
ما هذه الذكريات التي أتتْ في وقتٍ حرج؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق