الأربعاء، 28 أغسطس 2013

عمرُ بنُ الخطّابِ - رضيَ اللهُ عنهُ- :

-

بسم الله الرحمن الرحيم والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.
لن أبدأ بمقدمة أبداً, فاسم الله والثناء عليه يكفي, أقالوا بأنّ المراد من المقدمةِ هي التشويق؟ لا أراه كذلك بل أراهُ شيئًا مملاً, دعك من كلِّ هذا, جاوبني..
أتحبّ الكتب؟
أرجو بأن تكون إجابتك: نعم.
حتى وإن كانت لا, فستحبها غصبا, هكذا أريد :-)
ما رأيك, سأقتبسُ من كلِّ كتابٍ أقرأهُ وتشاركني في قراءتِه, لن يضيعَ من وقتك شيئاً, ليستفيدَ جميعُنا.

قبل كلِّ شيء سأتحدثُ قليلًا عن القراءة:
في أقل من عامَين تغير فكري واهتماماتي "جميعها" بشكلٍ ملحوظ, ربما غيري لم ينتبه لذلك -ولا أحتفلُ- لكن يكفي بأنّي لاحظتُه وانتبهتُ له وسعدت بذلك, عرفتُ أشياءَ كثيرة كانتْ غائبةً عني, عرفتُ الدنيا أكثر, عاشرتُ ناساً كُثرَ, وعرفتُ عاداتِهم وطبائعَهُم وأنا في غرفتي ولم أبرحْ مكاني, ولم أكلمهم.
لم أكن أنا التي أعرفها سابقاً, ريم واهتماماتها التافهة, وتفكيرها الصغير, لا أدعي الآن عُلوّ تفكيري وكبرَهُ, لكن على أيّةِ حالٍ ليس كما كان في السابق.
القراءة عالمٌ آخرُ, جرّب وزُر هذا العالمَ ستحببه كثيراً كما زاره غيرُك وأحبّه.
 وليس شرطاً أن تحبَّ القراءة لتقرأ, جاهد نفسَك, تذكّر أنك تطلب علماً وتزيدُ من قدراتِك العقليّة ومخزونك الثقافيّ, لن تقرأَ عبثاً! حاولْ وجاهد نفسك, لا تتكاسل ولا تعجز.

لن أكون ثقيلةً عليك ولن أطيلَ حديثي, فالحديثُ الطويلُ ضربٌ من ضروبِ العبثِ المُمِل.


سأبدأ بكتاب (أخبار عمر) لأديبِ الفقهاء وفقيه الأدباء: عليّ الطنطاوي وأخيه ناجي الطنطاويّ - رحمهما الله-.
أتمنى أن لا أثقلَ عليك يا صديق!

اسمُه:
لم يزلْ اسمه في الجاهليةِ والإسلام عمر, وعمر(على ما يقول النحْويون) أصله عامر, عُدل عنه في حال التسمية, لا في حالِ الصفة فمنع من الصرف للعلميّة والعدل.
لكن (وأتساءَلُ أنا) ألم يكن منع من الصرف للعلمية ووزن فُعَل؟

العمران:
والعمران أبو بكر وعمر, فإن قال قائلٌ: إنما هما عمر بن الخطّاب وعمر بن عبد العزيز, لم يصبْ؛ لأنَّ أهل الجمل نادوا بعليّ بن أبي طالب: أعطنا سنّة العمرين.
فإن قال قائل: فلِمَ لم يقولوا: أبوَي بكر, وأبو بكر أفضلهما, فلأن عمر اسم مفرد, وإنما طالبوا الخفة, قال جرير:
وما لِتَغْلِبَ إن عدّوا مساعيَهم
نجمٌ يضيء ولا شمسٌ ولا قمرُ
ما كان يرضى رسولُ الله فعلَهم
والعمران أبو بكر وعمرُ

الفاروق:
لقّب بالفاروقِ؛ لأنّه أعلن بالإسلام, ونادى به والناسُ يخفونه ففرّق بين الحقِّ والباطل, قال ابن عباس: سألت عمر بن الخطاب: لأيّ شيء سميت الفاروق؟ (فذكر حديث إسلامهِ, إلى أن قال) : فأخرجنا رسول الله -صلى اللهُ عليه وسلّم- في صفين حمزة في أحدهما, وأنا في الآخر, حتى دخلنا المسجد, فسماني - صلى اللهُ عليه وسلّم- الفاروق.

الأصيلع:
وقد يُلقب -رضيَ الله عنه- لصلعته بالأصيلع (أسمعتَ عن هذا اللقب من قبل؟) : عن عبد الله بن سرجس المُزَني قال: رأيت الأصيلع -وفي رواية: الأصلع- (يعني: عمر) يقبل الحجر.

الزِبْرِقان والحطيئة:
قدم الزِبرِقان بن بدر على عمرَ يستعديه على الحُطيئة, فرفعه عمر إليه وقال للزبرقان: ما قال لك؟
فقال الزبرقان: قال:
دعِ المكارمَ لا ترحل لبغيتها
واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
فقال عمرُ: ما أسمع هجاء, ولكنها معاتبة.
فقال الزبرقان: أوَلا تبلغ مروءتي إلا أن آكل وألبسَ! والله يا أميرَ المؤمنين ما هُجيت ببيت قط أشدّ عليّ منه, سل ابن الفُريعة (يعني: حسان بن ثابت)
فقال عمر: عليّ بحسان, فجيء به.
فقال: أتراه هجاءً؟
قال: نعم وسلح عليه!
وعمر يعلم من ذلك ما يعلم حسان ولكنّه أراد الحجة على الحُطيئة. فألقاه عمر في حفرة اتخذها محبساً.
فجعل الحطيئة يستعطفُ عمرَ بالشعر ويرسله إليه فمن ذلك قوله:
تحنن عليَّ هداك المليكُ
فإنّ لكلِّ مقام مقالا
فلا تسمعنْ بي مقال العدى
ولا تؤكلني هديت الرجالا
فإنك خيرٌ من الزِبرقان
أشدُّ نكالاً وخير نوالا
فلم يلتفتْ إليه عمر حتى قال أبياته التالية:
ماذا تقول لأفراخٍ بذي مَرَخٍ ( اسم واد بالحجاز)
زُغبِ الحواصل لا ماءٌ ولا شجر
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمةٍ
فاغفر عليك سلام الله يا عمر
أنتَ الإمام الذي من بعد صاحبه
ألقى إليك مقاليد النُّهى البشر
لم يؤثروك بها إذ قدموك لها
لكن لأنفسهم كانت بك الأثر
وشفع له عبد الرحمن بن عوف, فرقّ له عمر وأخرجه وقال له: إياك وهجاء الناس.
فقال: إذن يموتُ عيالي جوعاً, هذا مأكلة عيالي, ونملةٌ تَدبّ على لساني, وهو مكسبي, ومنه معاشي.
فدعا عمر بكرسيّ فجلس عليه ودعا بالحُطيئة فأجلسه بين يديه, ودعا بإشفى (أي: مثْقَب) وشفرة يوهمه أنه سيقطع لسانه.
فقال له الزبرقان: نشدتك الله يا أمير المؤمنين أن لا تقطعه, فإن كنت لا بدّ فاعلاً فلا تقطعه في بيت الزبرقان, وضجّ الحطيئة من ذلك
فقال لعمر: يا أمير المؤمنين إني والله قد هجوتُ أبي وأمي, وهجوتُ امرأتي, وهجوت نفسي, فتبسم عمر وقال: فما الذي قلتَ؟
قال: قلت لأمي:
ولقد رأيتُك في النساء فسؤتِني
وأبا بنيكِ فساءني في المجلسِ
وقلت لها:
تنحيْ فاجلسي مني بعيداً
أراح الله منك العالمينا
وقلتُ لامرأتي:
أطوّف ما أطوف ثم آوي
إلى بيت قَعيدته لَكاعِ
فقال له عمر: فكيف هجوتَ نفسَك؟
فقال: اطلعت في بئر فرأيت وجهي فاستقبحته فقلت:
أبت شفتاي اليوم إلا تكلّماً
بسوءٍ فما أدري لمن أنا قائله
أرى لي وجهاً شوّه الله خلقَه
فقبِّح من وجهٍ وقبِّح حامله
فاشترى منه أعراض المسلمين جميعاً بثلاثة آلاف درهم (كما يروى).

أوليَاته:
المراد (بالأوليات) في اصطلاح المؤرخين, الأمور التي ابتدعها وأحدثها ولم تكن من قبله, واجتنبوا لفظ ( البدع) ولفظ ( المحدثات) لأنها صارت علماً على ما يحدث في الدّين.
*أنه كان أول من عسّ في عملِه في المدينة.
*أول من حمل الدِّرة وأدّب بها.
*أول من مسح السواد وأرض الجبل, ووضع الخراجَ على الأرضين, والجزية على جماجم أهل الذمة.
*وهو أول من مصّر الأمصار: الكوفة, والبصرة, والجزيرة, والفسطاط بمصر.
*أول من استقضى القضاة في الأمصار, وأول من دوّن الدواوين, وكتب الناس على قبائلهم وفرض لهم الأعطية من الفيء, وأول من حمل الطعام في السفن في البحْر.
*أول من اتخذ دار الدقيق, فجعل فيها الدقيق والسّويق والزبيب وما يحتاج إليه, فيعين به المنقطع والضيف ينزل بعمر.
*وضع في طريق السُبلة ما بين مكة والمدينة مايصلح من ينقطع به ويحمله من ماء إلى ماء.
*أول من قيل له: (يا أمير المؤمنين) من الخلفاء.
*وأول من وليَ شيئًا من أمورِ المسلمين, ولّاه أبو بكر القضاء فكان أول قاضٍ في الإسلام وقال له: اقض بين الناس فإني في شغل.
*وأول من نهى عن بيع أمهات الأولاد.
*وأول من أرّخ وختم على الطين.
*وأول من وضع العُشر في الإسلام
*وأول من ضرب فسطاطاً على قبر.
*وهو أول من جمع الناس على التراويح في شهرِ رمضانَ.
*وهو أول من عرّف العرفاء.
*وأول من أخذ زكاة الخيل.
*وأول من طبخ الطلاء حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه.
*وأول من جلد في حدّ الخمر ثمانين جلدة.
*وأول من قضى ميراث الأم وأعطاها ثلثي الباقي في مسألتين: زوجة وأبوان, أو زوج وأبوان, وتسميان بالعمرتين؛ لأنه أول من قضى فيهما.
*وأول من ورّث العرب من الموالي.
*وأول من جعل الدية عشرة عشرة في أعطيات المقاتلة.
وأول من دفع في الرهان.
*وأول من استحلف في القسامة.
*وأول من جهر بالتسليم.
*وأول من قنت النصف الأخير من رمضانَ.

متى ينام؟
قدم معاوية بن خُديج على عمرَ -رضيَ  اللهُ عنه- من مصر وبشّره بفتحِ الإسكندرية,
فقال له عمر: ماذا قلت يا معاوية حين أتيت المسجد؟
قال: قلت, أمير المؤمنين قائل.
قال: بئس ماظننت.
لئن نمت النهارَ لأضيعن الرعيّة, ولئن نمت الليلَ لأضيعن نفسي, فكيف بالنوم مع هذين يا معاوية؟
قالوا: وكان نومه خفقات في ساعات متفرقة من ليلٍ أو نهار.

يذكره بربّه:
وكان إذا دخل عليه أبو موسى يقول: يا أبا موسى ذكّرنا ربنا, فيقرأ أبو موسى, وربما بكى عمر.
وكانَ ربما يأخذ بيد الصبيّ فيقول: ادع لي فإنك لم تذنبْ بعد.

القرآن أولاً:
وأتى عمر بن الخطاب رجلٌ فقال: يا أمير المؤمنين إنّا لمّا فتحنا المدائن أصبت كتاباً فيه كلام معجب.
قال: أمن كتاب الله؟
قال: لا.
فدعا بالدِّرة وجعل يقرأ : (آلر تلك آياتُ الكتابِ المبينِ*إنّا أنزلناهُ قُرآناً عربيّاً لعلّكم تعقلون*نحن نقصُ عليك أحسنَ القصصِ بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبلِه لمن الغافلين) ثم قال:
إنّما أهلكَ مَن كان قبلكم أنهم اقبلوا على كتبِ علمائهم وأساقفتهم وتركوا التوراةَ والإنجيل حتى دَرَسا وذهب ما فيهما من العلم.

مقتل عمر:
فوجئ المسلمون  يوم الأحد 23 ذي الحجة سنة 23 للهجرة بمقتلِ عمرَ, وهو على أتم  ما يكون قوة ونشاطاً, وهو في أطهر مكان وآمنه في المسجد, وكان الذي طعنه عبداً فارسيّاً يقال له: أبو لؤلؤة, وكان قد هدده بالقتل فما بالى به عمر.

عمر في المنام:
كان العباس خليلاً لعمر, فلمّا أصيب جعل يدعو الله أن يريَه في المنام, فرآه بعد حول وهو يمسح العرقَ عن جبينه.
فقال: ما فعل بك ربك؟
قال: هذا أوان فرغت, إن كاد عرشي لينهدّ لولا أن لقيت رؤوفاً رحيماً.

وقال عبد الله بن عمر: ما كان شيء أحبّ إليَّ أن أعلم من أمرِ عمر, فرأيتُ في المنام قصراً فقلتُ: لمن هذا؟
قالوا: لعمر بن الخطاب, فخرج من القصر كأنه قد اغتسل.
قلتُ: كيف صنعت؟
قال: خيراً, كاد عرشي يهوي لولا أني لقيت رباً غفوراً, منذ كم فارقتكم؟
قلت: منذ اثنتي عشرة سنة!
قال: إنما انفلتُّ الآن من الحساب.

هذا حسابك يا ابنَ الخطاب وأنت من العشرةِ المبشرين بالجنة؟
الخليفة العادل الزاهد, فمن نحنُ, وما سيكون حالنا بعد موتِنا وكم مدة حسابنا؟
يا الله ألطف بنا.
أتمنى أني لم أثقلْ عليك, وإن أثقلتُ فأنا أعتذر :-)

(والسّلامُ على مَنِ اتَّبَعَ الهُدى)
اللهُم صلِّ وبارك على نبيّنا محمد - صلى اللهُ عليه وسلّم-
ريم بنت خالد بن سليم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق