الاثنين، 23 سبتمبر 2013

وإنَّ مجدَنا سيعودُ!

-

بسم الله والصلاة والسّلام على رسولِ الله, وبعد:
عندما أكتبُ فإنني أشعرُ بحملٍ ثقيل يؤلمني ويؤلم كاهلي؛ ذلك لأني أجرّ الحروفَ والكلماتِ مني جراً, وكأنها لا تريد الخروج وتأبى ذلك.
لكن عندما يكون في نفسك شيءٌ تريد أن تقوله, فستخرجه عَنوةً منك.
عندما أقرأ لشيخي عليّ الطنطاوي -رحمه الله- , أشعر وكأنه يعيشُ الآن بيننا ويكتب ما يحدثُ في زمانِنا, وقد أحسن في ذلك وأجاد, وأيضاً كأنّ التاريخَ يعيدُ نفسَه قبل نصف قرنٍ تقريباً على أقلّ تقدير.
كتاب "هُتاف المجد" كتابٌ جيّد.
ماذا! هل قلتُ جيد؟ وهل جيّد تعبّر عن جمالِ هذا الكتاب وتصفه وصفاً يليقُ به؟
لا أعرف ما الذي سأقوله عن هذا الكتاب حقيقةً -سمِّه أيَّ الأسماءِ شئْت, وغصْ في كلمات المدحِ والثناء واختر مايناسبه بل اخترها كلَّها, فلن تكفي!- ، وخوفي إنْ تكلمتُ عنه أن أبخسَه حقَّه, لكنّ الحق أبلجُ.
لو أمتلكُ السلطةَ على كلِّ شخصٍ مسلمٍ عربيّ لجعلته يقرأ هذا الكتابَ ولو كان على مضضِ منه.
وما هذا الكتاب وما الذي يتحدث عنه؟ 
أسمعتَ من قبلُ عن المجد؟ ما المجد وما مفهومك عنه؟
لكلِّ أمة تاريخٌ ومجد, لكن لا أظنُّك ستجد مجداً كمجدِ الأمة الإسلامية العريقِ العتيق.
أمةٌ حكمتْ بالعدل, وكيف لا تحكم بالعدل، والإسلامُ دينُ العدلِ والرحمة والرأفة؟
لا تخدعنَّك أقوالُ الطاعنين الشكّاكين الحاقدين, سيقولون لك: ها أنتم تندبون البلادَ الإسلامية -التي سُطقت الخلافة فيها- وتتحسرون عليها, كالأندلس مثلاً, وتبكون فلسطين المحتلة, والبلاد العربية التي احتلها الاستعمار الفرنسي والإنجليزي.
ألم تحتلوا الأندلس وبعضاً من بلاد أوروبا وبلاد ما وراء النهر وفارس؟ ألم تقاتلوا بالسيف وتكرهوا الناس أن يسلموا؟
نعم وإن الذي قلته لصحيح, ملكنا هذه البلاد بَيد أننا نختلف معك في المصطلح والمضمون أيضا، فلا تسمّه احتلالا يا سيّد, فانظر ما فعله الأولون ككسرى مثلاً والمحتلين وعلى رأسهم الاستعمار, عفواً الاستدمار.
ومسألة (إجبار الناس على الإسلام) فهذا خطأ, إذا لم يُسلم فإنه سيدفع الجزية, نعم يدفعها مقابل الحفاظ على أمنه والعيش بسلامٍ وعدل. لكن لماذا لا يُسلم ودين الإسلام هو الدين الصحيح, دين الحق؟
وإن كنت لا تقرأ فلا ترمِ تلك الأقاويل والأباطيل التي ما أنزل الله بها من سلطان. (تقولون ما لا تعلمون) !
فتحنا البلاد شرقاً وغربا، ونشرنا دين العدل والإنسانية والرحمة والوسطية, فملأنا الأرض عدلاً وأمنا وسعادة.
وكان حقاً علينا نشرُ هذا الدينِ العظيم ( ويكون الدينُ كلُّه لله )
"عندما هُزم المسلمون في معركةِ بلاط الشهداء هزّت هذه الأنباء نفوسَ المسلمين في كلِّ مكان هزاً عنيفاً, وزلزلت لهولها أفئدتهم زلزالاً شديداً, وعمّ الحزن بسببها كلَّ مدينة, وكلَّ قرية, وكلَّ بيت.
وما زال جرحُها المُمِضُّ –الموجع- ينزِف من قلوبهم دماً حتى اليوم, وسيظل ينزف ما بقي على ظهر الأرض مسلمٌ.
ولا تحسبّن أنّ هذا الجرحَ العميقَ الغائر قد أمضَّ أفئدة المسملين وحدهم, وإنما شاركهم في ذلك طائفةٌ من عُقلاء الفرنجة. رأوْا في انتصار أجدادهم على المسلمين في (بُوَاتْيِيهْ) مصيبةً كبرى رُزئتْ بها الإنسانية.
وخسارة عظمى أصابت (أوربا) في صميمِها, ونكبة جُلّى نُكبت بها الحضارة.
وإذا شئت أن تقفَ على رأي بعضِ هؤلاء في فجيعة بلاط الشهداء فاستمع إلى (هنري دِي شامبون) مدير مجلة (ريفي بَارْلمِنْتير) الفرنسية حيث قال:

"لولا انتصار جيش (شارْلَ مارتِلْ) الهمجيّ على العرب المسلمين في (فرنسا) لما وقعت بلادنا في ظلمات القرون الوسطى, ولما أصيبت بفظائعِها, ولا كابدتِ المذابحَ الأهلية التي دفع إليها التعصب الدينيّ المذهبي.
نعم, لولا ذلك الانتصار الوحشيُّ على المسلمين في (بُوَاتْيِيه) لظلّت (إسبانيا) تنعم بسماحة الإسلام, ولنجت من وصمة محاكم التفتيش, ولما تأخر سيرُ المدنيّة ثمانيةَ قرون.
ومهما اختلفتِ المشاعر والآراء حول انتصارنا ذاك, فنحن مدينونَ للمسلمين بكلِّ محامد حضارتنا في العلم, والفن, والصناعة.
مَدْعوُّون لأن نعترف بأنهم كانوا مثال الكمالِ البشري, في الوقتِ الذي كنا فيه مثال الهمجيّة, وافتراءٌ ماندعيه اليوم من أنّ الزمان قد استدار, وأنّ المسلمين وصلوا في هذا العصر إلى ما كُنّا عليه في العصور الوسطى". "

انتهى كلامُه, (وشهدَ شاهدٌ من أهلها).
 لمَ تقول: وما المجدُ الذي تريدنا أن نفخرَ به؟ 
ولماذا، عندما أطلب منك الاعتزاز بأمتك والفخر بأمجادها السابقة والكفَّ عن الطعن بها والتقليل من شأنها، تجيبني بهذا الجواب المستفزّ؟
أين تعيشُ يا فتى؟ أريد أن أخبرَك أنّ القرون الوسطى التي كابدَ -أولئك الذين أُعجبتَ بهم- شظفَ العيش, بينما كان المسلمين في أحسن حالٍ وفي حضارة عظيمة, وعيشٍ رَغِد.
لا أريد أن تفخرَ فقط وتقول كان أجدادي يعملون ويفعلون كَيت وكيت, بل انهض وأعدْ لنا هذا المجد.
ولا تنكر ولا تَشتم ولا تسبّ, وتقللْ من شأن المسلمين والعرب, يا مسلم يا عربي يا صاحب المجد القديم -الذي دمرناه بأفعالِنا الرعناء, وبمثل أقوالك البلهاء- !
ألا تسمعون فلسطين؟ ألا تسمعون نداءَها الحزين, وجرحها الدفين؟ ألا تسمعون أنينها المؤلم؟
ماذا عن سوريا يا قوم؟ أنسيتم سوريا كفلسطين؟
وماذا عن مصر أيضاً؟
هذا اقتباس لطيف من هذا الكتاب العظيم "هتاف المجد" :

"يا أيها العرب جيمعاً, هل تدرون ما هو أعظم خطْب يمكن أن ينزلَ بنا, وما هي أدهى مصيبة يُخشى أن تصيبنا؟ لا, ليست الاستعمار الأجنبي, فسنجاهد حتى لا يبقى في ديارِ العروبة, ومنازلِ الإسلام غاصب أجنبي, وليستْ مشكلة إسرائيل, فسنحارب حتى نْسلم (إسرائيل) لعزرائيل, ولكن المصيبة أن نكفرَ بأنفسنا, وأن نجهلَ أقدارنا, وأن لا نعرف فوق الأرض مكاننا, وأن نحسب أننا خلقنا لنكون أبداً أضعف من الغربيين, وأجهل منهم, وأن ننسى أنّ أجدادنا لما خرجوا يفتحون الدنيا ماكانوا أقوى منا على عدوِّنا, وأنهم أقدموا بسيوفٍ ملفوفة بالخرق على عدوّ كان أكثر عّدداً وأقوى عُدداً وأضخم عمراناً, وأقل علماً ومالاً, فظفروا به, وانتصروا عليه, وأنّ الأيام دولٌ, والدهر دولابٌ, يهبط العالي, ويعلو الذي هبط, ويذلُّ العزيز, ويعزُّ الذي ذلَّ, وإن دار علينا الدهر حيناً, فافترقنا وتباعدنا, ولفَّنا بعد إشراق النهار ليلٌ مظلم, أغمضنا فيه عيوننا, وأغمدنا فيه سيوفنا, فلم نبصر اللصَ يدخل علينا, ولم نَنْهَد إليه لنرده عنا, وحسبنا لطول الليل أن لا صباح له, فقد طلع الآن الصباح, وانقضى الليل, وهبَّ النائمون يمشون إلى الأمام..."

كونوا قوماً يعتزون بدينِهم مادام أنّه الحق, ولنهتفْ: مجدنا عائدٌ.

1434/11/17
الاثنين
بَيد أنه لم يخرج إلا اليوم فقد كان حبيسَ المسودة.
ريم (:


الثلاثاء، 3 سبتمبر 2013

أبُو بكْرٍ الصِّديق -رضيَ اللهُ عنْهُ- :

-


بسم الله الرحمن الرحيم والصّلاة والسلام على رسولِ الله وعلى آله وصحبه أجمعين, أما بعد:

هذه حياةٌ فخمة.. ليست حياةَ واحد, ولكنّها حياةُ أُمة, أُمّة حملت مصباحَ النّور, حين عمّ الكونَ الظلامُ, وأرشدت العالم التائه في عُباب الجهل, إلى شاطئ العلم, وكانت حضارتُها المدرسة التي خرّجت العقل البشري وثقّفته, كما خرّجته المدرسة اليونانية من قبلُ وثقّفته.. فكان لها الفضل على كلِّ إنسان, وكانت حضارة أساسها التوحيد والفضيلة, وأساس حضارة اليونان الشرك والرذيلة, ينسبونها إلى آلهتهم المزعومة, ويودعونها الميتولوجي التي فيها أخبارهم.
حياة أبي بكر هي الصفحة الأولى من التاريخِ الإسلامي, الذي بهر كلَّ تاريخٍ وبذّه, والذي لم تَحْوِ تواريخ الأمم مجتمعةً بعض ما حوى من الشرفِ, والمجدِ, والإخلاص.

حسناً هذه اقتباساتٌ من كتاب "أبي بكرٍ الصديق" لعليّ الطنطاويّ -رحمهُ الله-.

-اسمه ولقَبُه وكُنْيتهُ:

*عبد الله:
جمهور أهل النسبِ على أن اسمه الأصلي: عبد الله, سمّاه به النبي -صلى الله عليه وسلّم- لمَّا أسلم, وكان اسمه من قبلُ عبد الكعبة, وجزم البخاري وغيره من المحدّثين بأنّ اسمه عبدُ الله يؤيدهم في ذلك أحاديث كثيرة.

*عتيق:
وكثير من المحدّثين على أنّ اسمه عتيق ويؤَيدهم قول بعضِ الأنصار يوم السَّقيفة:
فقلتم حرام نصب سعدٍ ونصبكم
عتيقَ بن عثمان حلالٌ أبا بكر
وأهل أبو بكر لها خير قائم
بها وعليّ كان أخلق بالأمر

*أبو بكر:
كنيتُه أبو بكر, وهي من البكر وهو الفتَى من الإبل, والجمع بِكار وأَبكرُ وقد سمَّت العرب بكراً, وهو أبو قبيلة عظيمة.

*الصِّديق:
اشتهر منذ الجاهلية بلقبِ الصِّديق, وذلك أنّه كان رئيساً من رؤساءِ قريش, وكانتْ إليه الأشناق (وهي الدِّيات), فإذا تَحمَّل شَنَقاً أمضَتْ حمالَتَه وقامت معه, وإذا تحمَّلها غيره خذلوه ولم يُصدّقوه.
ودُعي في الإسلام الصِّدِّيق, ليلة أُسْري بالنبي -صلى الله عليه وسلّم-, فأصبح يُحدّث الناس بذلك, فارتدَّ أُناس كانوا آمنوا به, وسعى رجالٌ من المشركينَ إلى أبي بكر, فقالوا: هل لك إلى صاحبِك؟ يزعم أنّه أُسري به الليلة إلى بيتِ المقدس!
قل: وقد قالَ ذلك؟
قالوا: نعم.
قال: لئن قالَ ذلك لقد صدق.
قالوا: تصدّقه أنّه ذهب الليلةَ إلى بيتِ المقدس وعاد قبل أن يصبحَ؟
قال:نعم إني لأصدّقه فيما هو أبعد من ذلك, من خبر السماء في غدوة أو روحة.
ثمّ انتهى إلى النبي -صلى الله عليه وسلّم-, فطفق يسمعُ منه ويصدّقه, ويقول: أشهد إنك لرسولُ الله حتى إذا انتهى قال: وكنت يا أبا بكر الصديق.

-خبرُه قبلَ الإسلام:
كان أبو بكر -رضي الله عنه- أنسبَ قريش لقريش, وأعلمَ قريش بها, وبما كان فيه من خيرٍ وشرّ, وكان رجلاً تاجراً ذا خُلق ومعروف, وكان رجالُ قريش يأتونه ويألفونه, لغير واحد من الأمر: لعلمه وتجارته وحسنِ مجالسته وكان مشيراً لهم ومحبباً إليهم, فلما جاء الإسلام آثره على ما سواه ودخلَ في أكملِ دخول!

-لم يشربْ خمراً:
قالت عائشةُ -رضي الله عنها-: حرمَ أبو بكر الخمر في الجاهليةِ فلم يشربْها في جاهلية ولا إسلام, وذلك أنَّه مر برجلٍ سكرانَ يضع يدَه في العَذِرة ويدنيها من فيه, فإذا وجد ريحها صدف عنها -أعزّكم الله-, فحرّمها أبو بكر على نفسِه.

-تجارته:
كان في الجاهلية تاجراً. ودخل بُصرى من أرضِ الشّام وكان مع أبي طَالب في قافلتِه إلى الشّام, وكان رأسُ ماله أربعين ألف درهم, فأنفقه كلَّه في نصرةِ الإسلام فقيل له: ماذا أبقيتَ لعيالك؟ قال: أبقيت لهم اللهَ ورسوله.

-هو والأصنام:
قال أبو بكر -رضي الله عنه- في مجمع من أصحابِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ما سجدتُ لصنمٍ قط, وذلك أنِّي لمّا ناهزتُ الحلم أخذني أبو قُحافة بيدي فانطلق بي إلى مُخدع فيه الأصنام, فقال لي: هذه آلهتك الشمُّ العوالي, وخلّاني وذهب, فدنوت من الصنم وقلتُ: إنّي جائع فأطعمني, فلم يجبني, فقلت: إني عارٍ فاكسني, فلم يجبني. فألقيت عليه صخرة فخرَّ لوجهه.

-البيعةُ العامَّة:
بايع الناس بيعةً عامة بعد بيعة السقيفة, ثم تكلّم أبو بكر فقال بعد أن حمدَ الله وأثنى عليه. أمَّا بعد, أيُّها الناس فإني وليت عليكم ولستُ بخيرِكم, فإن أحسنتُ فأعينوني, وإن أسأتُ فقوِّموني, الصدقُ أمانة, والكذبُ خيانة, والضعيفُ فيكم قويّ عندي حتى أريح (أردّ) عليه حقّه إن شاء الله تعالى, والقويّ فيكم ضعيفٌ عندي حتى أخذَ منه الحقّ إن شاء الله تعالى.
لا يدع قوم الجهادَ في سبيلِ الله إلا ضربهم اللهُ بالذّل, ولا تشيع الفاحشةُ في قومٍ قط إلّا عمهم الله بالبلاء, أطيعوني ما أطعتُ الله ورسوله, فإذا عصيتُ الله ورسوله فلا طاعةَ لي عليكم, قوموا إلى صلاتِكم يرحمكم الله.

-سبقه إلى أنواع البر:
خرَّج أحمد ومسلم عن أبي هريرةَ -رضي اللهُ عنه- قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: (من أصبحَ منكم صائماً؟)
قال أبو بكر: أنا. قال: (فمن تبعَ منكم اليومَ جنازة؟)
قال أبو بكر: أنا. قال: (فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً؟)
قال أبو بكر: أنا. قال: (فمن عادَ منكم اليوم مريضاً؟)
قال أبو بكر: أنا. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ما اجتمعن في امرئٍ إلَّا دخلَ الجنة).

-هو الخيرُ كلُّه:
عن طارق قال: جاءَ ناسٌ إلى ابن عباس -رضيَ الله عنْهما- فقالوا: أي رجلٍ كان أبو بكر؟
قال: كان خيراً كلَّه, أو قال: كالخير كله على حِدّه كانت فيه.

-أوّلياته:
هو -رضي الله عنه- أول من أسلم, وأول من جمعَ القرآنَ الكريم, وأول من سمّاه مصحفاً, وأول من سمي خليفة, وأوّل من ولي الخلافة وأبوه حيّ, وأول خليفة ماتَ وأبواه حيّان, وأول خليفة فرض له رعيته العطاء, وأول من اتّخذ بيتَ المال, وأول من لقبَ في الإسلامَ لقب عتيقاً, وأول من لقبَ بشيخِ الإسلام, وأول من قاء تحرُّجاً من الشبهات, وأول من غسلته زوجتُه في الإسلام.

-وفاته:
امتد المرضُ بأبي بكر -رضي الله عنه- خمسة عشر يوماً, والناسُ يعودونه وهو يثقل كلّ يوم حتى توفي ليلة الثلاثاء لثمانٍ بقين من جُمادى الآخرة, سنة ثلاث عشر من الهجرة.

-عند موتِ أبي بكر - رضي الله عنه -:
قال سعيد بنُ المسيّب: ثمّ ارتجت مكة برجة هي دون الأُولى, فقال أبو قحافة: ما هذا؟ قالوا: ابنك مات!
قال: رزء جليل, فمن ولي الأمر بعده؟ قالوا: عمر. قال: صاحبه.

- حديثُ أمِّ معبد "حديثٌ جميل, وفيه صفاتُ الرسولِ -صلى الله عليه وسلم- " :
عند هجرةِ النبيّ -صلى الله عليه وسلّم- وصاحبه أبي بكر-رضي الله عنْه- , مرّوا في طريقهم على خيمة أمِّ معبد الخزاعية, وكانتْ بَرْزة (تبرز للرجال عفيفة) جلدة تحتبي بفناء القبّة ثمّ تسقي وتطعم.
فسألوها تمراً ولحماً يشترونه منها, فلم يصيبوا عندها من ذلك شيئاً, وكان القومُ مُرْملين (أي: نفدت أزوادهم) مُسْنِتين (مجدبين أصابتهم السنة وهي القحط) فنظر رسولُ الله -صلى الله عليه وسلّم- إلى شاة في كِسر الخيمة (أي: جانبها) فقال: (ما هذه الشاة يا أمّ معبد؟) قالت: خلفها الجهد عن الغنم.
قال: (أتأذنين لي أن أحلبَها؟) قالت: نعم بأبي أنتَ وأمي إن رأيتَ بها حليباً فاحلبها, فدعا بها رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- فمسح لها ضَرعها وسمى الله ودعا لها فتفاجَّت عليه (أي: فتحتْ ما بين رجليها) ودرَّت ودعا بإناء يُريض الرهط (أي: يرويهم حتى يثقلوا فيربضوا) فحلب سحّاً (أي لبناً سائلًا كثيراً) حتى علاه البهاء (بريقُ الرغوة) ثمّ سقاها حتى رويت ثمّ سقى أصحابه حتى رووا ثمّ شرب آخرهم ثمّ حلب ثانياً بعد بدء حتى ملأ الإناء ثم غادره عندها وبايعها وارتحلوا (يعني: عنها) فقلّ مالبثت حتى جاء زوجُها أو معبد يسوق أعنزاً عجافاً تساوكن (أي: تمايلن) هُزالاً مخهن قليل, فلمّا رأى اللبنَ عجبَ وقال: من أين لك هذا يا أمَّ معبد؟, والشاء عازب (بعيد عن المرعى) ولا حَلوب في البيت؟
قالت: رجل ظاهر الوضاءة, أبلج (مشرق الوجه) حسن الخلق, لم تعِبْه ثُجلة (عظم البطن) ولم تُزْر به صعلة (صغر الرأس), وسيم قسيم, في عينَيه دَعَج (سواد), وفي أشفاره وطف (طول), وفي صوته صَحَل (بحة) وفي عنقه سَطَع (طول), وفي لحيته كثاثة. أزجُّ (رقيق طرف الحاجبين), أقرنُ (القرن هو: التقاء الحاجبين) إن صمت فعليه وقار, وإن تكلم سما وعلاه البهاء, حلو المنطق, فصل لا نزر ولا هذر, كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن, لا يائس من طول, ولا تقتحمه عينٌ من قصر, غصن بين غصنين, فهو أنضر الثلاثة منظراً, وأحسنهم قدراً, له رفقاء يحفون به, إن قال أنصتوا لقوله, وإن أمر تبادروا لأمرِه, محفود (مخدوم) محشود (مجتمع عليه) لا عابس ولا مُفْنِد (وهو الذي لا فائدةَ من كلامِه) قال أبو معبد: هذا والله صاحبُ قريش الذي ذكرَ لنا من أمرِه ما ذكر بمكةَ, ولقد هممتُ أن أصحبه.


هذا والله أعلم.
اللهم صلِّ على محمد وعلى آلهِ وصحبِه أجمعين.
رضي الله عن الصحابة, ورحمَ عليّ الطنطاويّ رحمةً واسعة, وأمواتَ المسلمين.

ريم بنْت خالد بن سليم.
1434/10/27هـ
الثلاثاء.