-
بسم الله والصلاة والسّلام على رسولِ الله, وبعد:
بسم الله والصلاة والسّلام على رسولِ الله, وبعد:
عندما أكتبُ فإنني أشعرُ بحملٍ ثقيل يؤلمني ويؤلم كاهلي؛ ذلك لأني أجرّ
الحروفَ والكلماتِ مني جراً, وكأنها لا تريد الخروج وتأبى ذلك.
لكن عندما يكون في نفسك شيءٌ تريد أن تقوله, فستخرجه عَنوةً منك.
عندما أقرأ لشيخي عليّ الطنطاوي -رحمه الله- , أشعر وكأنه يعيشُ الآن
بيننا ويكتب ما يحدثُ في زمانِنا, وقد أحسن في ذلك وأجاد, وأيضاً كأنّ التاريخَ
يعيدُ نفسَه قبل نصف قرنٍ تقريباً على أقلّ تقدير.
كتاب "هُتاف المجد" كتابٌ جيّد.
ماذا! هل قلتُ جيد؟ وهل جيّد تعبّر عن جمالِ هذا الكتاب وتصفه وصفاً
يليقُ به؟
لا أعرف ما الذي سأقوله عن هذا الكتاب حقيقةً -سمِّه أيَّ الأسماءِ
شئْت, وغصْ في كلمات المدحِ والثناء واختر مايناسبه بل اخترها كلَّها, فلن تكفي!- ، وخوفي إنْ تكلمتُ عنه أن أبخسَه حقَّه, لكنّ الحق أبلجُ.
لو أمتلكُ السلطةَ على كلِّ شخصٍ مسلمٍ عربيّ لجعلته يقرأ هذا الكتابَ
ولو كان على مضضِ منه.
وما هذا الكتاب وما الذي يتحدث عنه؟
أسمعتَ من قبلُ عن المجد؟ ما المجد وما مفهومك عنه؟
لكلِّ أمة تاريخٌ ومجد, لكن لا أظنُّك ستجد مجداً كمجدِ
الأمة الإسلامية العريقِ العتيق.
أمةٌ حكمتْ بالعدل, وكيف لا تحكم بالعدل، والإسلامُ دينُ العدلِ والرحمة
والرأفة؟
لا تخدعنَّك أقوالُ الطاعنين الشكّاكين الحاقدين, سيقولون لك: ها أنتم تندبون البلادَ الإسلامية -التي سُطقت الخلافة فيها- وتتحسرون عليها, كالأندلس مثلاً, وتبكون فلسطين المحتلة, والبلاد العربية التي احتلها الاستعمار الفرنسي والإنجليزي.
ألم تحتلوا الأندلس وبعضاً من بلاد أوروبا وبلاد ما وراء النهر وفارس؟
ألم تقاتلوا بالسيف وتكرهوا الناس أن يسلموا؟
نعم وإن الذي قلته لصحيح, ملكنا هذه البلاد بَيد أننا نختلف معك في المصطلح والمضمون أيضا، فلا تسمّه احتلالا يا سيّد, فانظر
ما فعله الأولون ككسرى مثلاً والمحتلين وعلى رأسهم الاستعمار, عفواً الاستدمار.
ومسألة (إجبار الناس على الإسلام) فهذا خطأ, إذا لم يُسلم فإنه سيدفع الجزية,
نعم يدفعها مقابل الحفاظ على أمنه والعيش بسلامٍ وعدل. لكن لماذا لا يُسلم ودين
الإسلام هو الدين الصحيح, دين الحق؟
وإن كنت لا تقرأ فلا ترمِ تلك الأقاويل والأباطيل التي ما أنزل الله
بها من سلطان. (تقولون ما لا تعلمون) !
فتحنا البلاد شرقاً وغربا، ونشرنا دين العدل والإنسانية والرحمة
والوسطية, فملأنا الأرض عدلاً وأمنا وسعادة.
وكان حقاً علينا نشرُ هذا الدينِ العظيم ( ويكون الدينُ كلُّه لله
)
"عندما هُزم المسلمون في معركةِ بلاط الشهداء هزّت هذه الأنباء نفوسَ
المسلمين في كلِّ مكان هزاً عنيفاً, وزلزلت لهولها أفئدتهم زلزالاً شديداً, وعمّ
الحزن بسببها كلَّ مدينة, وكلَّ قرية, وكلَّ بيت.
وما زال جرحُها المُمِضُّ –الموجع- ينزِف من قلوبهم دماً حتى اليوم, وسيظل
ينزف ما بقي على ظهر الأرض مسلمٌ.
ولا تحسبّن أنّ هذا الجرحَ العميقَ الغائر قد أمضَّ أفئدة المسملين
وحدهم, وإنما شاركهم في ذلك طائفةٌ من عُقلاء الفرنجة. رأوْا في انتصار أجدادهم
على المسلمين في (بُوَاتْيِيهْ) مصيبةً كبرى رُزئتْ بها الإنسانية.
وخسارة عظمى أصابت (أوربا) في صميمِها, ونكبة جُلّى نُكبت بها
الحضارة.
وإذا شئت أن تقفَ على رأي بعضِ هؤلاء في فجيعة بلاط الشهداء فاستمع
إلى (هنري دِي شامبون) مدير مجلة (ريفي بَارْلمِنْتير) الفرنسية حيث قال:
"لولا انتصار جيش (شارْلَ مارتِلْ) الهمجيّ على العرب المسلمين
في (فرنسا) لما وقعت بلادنا في ظلمات القرون الوسطى, ولما أصيبت بفظائعِها, ولا
كابدتِ المذابحَ الأهلية التي دفع إليها التعصب الدينيّ المذهبي.
نعم, لولا ذلك الانتصار الوحشيُّ على المسلمين في (بُوَاتْيِيه) لظلّت
(إسبانيا) تنعم بسماحة الإسلام, ولنجت من وصمة محاكم التفتيش, ولما تأخر سيرُ المدنيّة
ثمانيةَ قرون.
ومهما اختلفتِ المشاعر والآراء حول انتصارنا ذاك, فنحن مدينونَ
للمسلمين بكلِّ محامد حضارتنا في العلم, والفن, والصناعة.
مَدْعوُّون لأن نعترف بأنهم كانوا مثال الكمالِ البشري, في الوقتِ
الذي كنا فيه مثال الهمجيّة, وافتراءٌ ماندعيه اليوم من أنّ الزمان قد استدار,
وأنّ المسلمين وصلوا في هذا العصر إلى ما كُنّا عليه في العصور الوسطى". "
انتهى كلامُه, (وشهدَ شاهدٌ من أهلها).
لمَ تقول: وما المجدُ الذي
تريدنا أن نفخرَ به؟
ولماذا، عندما أطلب منك الاعتزاز بأمتك والفخر بأمجادها السابقة والكفَّ عن الطعن بها والتقليل من شأنها، تجيبني بهذا الجواب المستفزّ؟
أين تعيشُ يا فتى؟ أريد أن أخبرَك أنّ القرون الوسطى التي كابدَ
-أولئك الذين أُعجبتَ بهم- شظفَ العيش, بينما كان المسلمين في أحسن حالٍ وفي حضارة
عظيمة, وعيشٍ رَغِد.
لا أريد أن تفخرَ فقط وتقول كان أجدادي يعملون ويفعلون كَيت وكيت, بل
انهض وأعدْ لنا هذا المجد.
ولا تنكر ولا تَشتم ولا تسبّ, وتقللْ من شأن المسلمين والعرب, يا مسلم
يا عربي يا صاحب المجد القديم -الذي دمرناه بأفعالِنا الرعناء, وبمثل أقوالك البلهاء- !
ألا تسمعون فلسطين؟ ألا تسمعون نداءَها الحزين, وجرحها الدفين؟ ألا
تسمعون أنينها المؤلم؟
ماذا عن سوريا يا قوم؟ أنسيتم سوريا كفلسطين؟
وماذا عن مصر أيضاً؟
هذا اقتباس لطيف من هذا الكتاب العظيم "هتاف المجد" :
"يا أيها العرب جيمعاً, هل تدرون ما هو أعظم خطْب يمكن أن
ينزلَ بنا, وما هي أدهى مصيبة يُخشى أن تصيبنا؟ لا, ليست الاستعمار الأجنبي,
فسنجاهد حتى لا يبقى في ديارِ العروبة, ومنازلِ الإسلام غاصب أجنبي, وليستْ مشكلة
إسرائيل, فسنحارب حتى نْسلم (إسرائيل) لعزرائيل, ولكن المصيبة أن نكفرَ بأنفسنا,
وأن نجهلَ أقدارنا, وأن لا نعرف فوق الأرض مكاننا, وأن نحسب أننا خلقنا لنكون
أبداً أضعف من الغربيين, وأجهل منهم, وأن ننسى أنّ أجدادنا لما خرجوا يفتحون
الدنيا ماكانوا أقوى منا على عدوِّنا, وأنهم أقدموا بسيوفٍ ملفوفة بالخرق على عدوّ
كان أكثر عّدداً وأقوى عُدداً وأضخم عمراناً, وأقل علماً ومالاً, فظفروا به,
وانتصروا عليه, وأنّ الأيام دولٌ, والدهر دولابٌ, يهبط العالي, ويعلو الذي هبط,
ويذلُّ العزيز, ويعزُّ الذي ذلَّ, وإن دار علينا الدهر حيناً, فافترقنا وتباعدنا,
ولفَّنا بعد إشراق النهار ليلٌ مظلم, أغمضنا فيه عيوننا, وأغمدنا فيه سيوفنا, فلم
نبصر اللصَ يدخل علينا, ولم نَنْهَد إليه لنرده عنا, وحسبنا لطول الليل أن لا صباح
له, فقد طلع الآن الصباح, وانقضى الليل, وهبَّ النائمون يمشون إلى الأمام..."
كونوا قوماً يعتزون بدينِهم مادام أنّه الحق, ولنهتفْ: مجدنا عائدٌ.
1434/11/17
الاثنين
بَيد أنه لم يخرج إلا اليوم فقد كان حبيسَ المسودة.
ريم (:
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق