-
بسم الله الرحمن الرحيم والصّلاة والسلام على رسولِ الله وعلى آله وصحبه أجمعين, أما بعد:
هذه حياةٌ فخمة.. ليست حياةَ واحد, ولكنّها حياةُ أُمة, أُمّة حملت مصباحَ النّور, حين عمّ الكونَ الظلامُ, وأرشدت العالم التائه في عُباب الجهل, إلى شاطئ العلم, وكانت حضارتُها المدرسة التي خرّجت العقل البشري وثقّفته, كما خرّجته المدرسة اليونانية من قبلُ وثقّفته.. فكان لها الفضل على كلِّ إنسان, وكانت حضارة أساسها التوحيد والفضيلة, وأساس حضارة اليونان الشرك والرذيلة, ينسبونها إلى آلهتهم المزعومة, ويودعونها الميتولوجي التي فيها أخبارهم.
حياة أبي بكر هي الصفحة الأولى من التاريخِ الإسلامي, الذي بهر كلَّ تاريخٍ وبذّه, والذي لم تَحْوِ تواريخ الأمم مجتمعةً بعض ما حوى من الشرفِ, والمجدِ, والإخلاص.
حسناً هذه اقتباساتٌ من كتاب "أبي بكرٍ الصديق" لعليّ الطنطاويّ -رحمهُ الله-.
-اسمه ولقَبُه وكُنْيتهُ:
*عبد الله:
جمهور أهل النسبِ على أن اسمه الأصلي: عبد الله, سمّاه به النبي -صلى الله عليه وسلّم- لمَّا أسلم, وكان اسمه من قبلُ عبد الكعبة, وجزم البخاري وغيره من المحدّثين بأنّ اسمه عبدُ الله يؤيدهم في ذلك أحاديث كثيرة.
*عتيق:
وكثير من المحدّثين على أنّ اسمه عتيق ويؤَيدهم قول بعضِ الأنصار يوم السَّقيفة:
فقلتم حرام نصب سعدٍ ونصبكم
عتيقَ بن عثمان حلالٌ أبا بكر
وأهل أبو بكر لها خير قائم
بها وعليّ كان أخلق بالأمر
*أبو بكر:
كنيتُه أبو بكر, وهي من البكر وهو الفتَى من الإبل, والجمع بِكار وأَبكرُ وقد سمَّت العرب بكراً, وهو أبو قبيلة عظيمة.
*الصِّديق:
اشتهر منذ الجاهلية بلقبِ الصِّديق, وذلك أنّه كان رئيساً من رؤساءِ قريش, وكانتْ إليه الأشناق (وهي الدِّيات), فإذا تَحمَّل شَنَقاً أمضَتْ حمالَتَه وقامت معه, وإذا تحمَّلها غيره خذلوه ولم يُصدّقوه.
ودُعي في الإسلام الصِّدِّيق, ليلة أُسْري بالنبي -صلى الله عليه وسلّم-, فأصبح يُحدّث الناس بذلك, فارتدَّ أُناس كانوا آمنوا به, وسعى رجالٌ من المشركينَ إلى أبي بكر, فقالوا: هل لك إلى صاحبِك؟ يزعم أنّه أُسري به الليلة إلى بيتِ المقدس!
قل: وقد قالَ ذلك؟
قالوا: نعم.
قال: لئن قالَ ذلك لقد صدق.
قالوا: تصدّقه أنّه ذهب الليلةَ إلى بيتِ المقدس وعاد قبل أن يصبحَ؟
قال:نعم إني لأصدّقه فيما هو أبعد من ذلك, من خبر السماء في غدوة أو روحة.
ثمّ انتهى إلى النبي -صلى الله عليه وسلّم-, فطفق يسمعُ منه ويصدّقه, ويقول: أشهد إنك لرسولُ الله حتى إذا انتهى قال: وكنت يا أبا بكر الصديق.
-خبرُه قبلَ الإسلام:
كان أبو بكر -رضي الله عنه- أنسبَ قريش لقريش, وأعلمَ قريش بها, وبما كان فيه من خيرٍ وشرّ, وكان رجلاً تاجراً ذا خُلق ومعروف, وكان رجالُ قريش يأتونه ويألفونه, لغير واحد من الأمر: لعلمه وتجارته وحسنِ مجالسته وكان مشيراً لهم ومحبباً إليهم, فلما جاء الإسلام آثره على ما سواه ودخلَ في أكملِ دخول!
-لم يشربْ خمراً:
قالت عائشةُ -رضي الله عنها-: حرمَ أبو بكر الخمر في الجاهليةِ فلم يشربْها في جاهلية ولا إسلام, وذلك أنَّه مر برجلٍ سكرانَ يضع يدَه في العَذِرة ويدنيها من فيه, فإذا وجد ريحها صدف عنها -أعزّكم الله-, فحرّمها أبو بكر على نفسِه.
-تجارته:
كان في الجاهلية تاجراً. ودخل بُصرى من أرضِ الشّام وكان مع أبي طَالب في قافلتِه إلى الشّام, وكان رأسُ ماله أربعين ألف درهم, فأنفقه كلَّه في نصرةِ الإسلام فقيل له: ماذا أبقيتَ لعيالك؟ قال: أبقيت لهم اللهَ ورسوله.
-هو والأصنام:
قال أبو بكر -رضي الله عنه- في مجمع من أصحابِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ما سجدتُ لصنمٍ قط, وذلك أنِّي لمّا ناهزتُ الحلم أخذني أبو قُحافة بيدي فانطلق بي إلى مُخدع فيه الأصنام, فقال لي: هذه آلهتك الشمُّ العوالي, وخلّاني وذهب, فدنوت من الصنم وقلتُ: إنّي جائع فأطعمني, فلم يجبني, فقلت: إني عارٍ فاكسني, فلم يجبني. فألقيت عليه صخرة فخرَّ لوجهه.
-البيعةُ العامَّة:
بايع الناس بيعةً عامة بعد بيعة السقيفة, ثم تكلّم أبو بكر فقال بعد أن حمدَ الله وأثنى عليه. أمَّا بعد, أيُّها الناس فإني وليت عليكم ولستُ بخيرِكم, فإن أحسنتُ فأعينوني, وإن أسأتُ فقوِّموني, الصدقُ أمانة, والكذبُ خيانة, والضعيفُ فيكم قويّ عندي حتى أريح (أردّ) عليه حقّه إن شاء الله تعالى, والقويّ فيكم ضعيفٌ عندي حتى أخذَ منه الحقّ إن شاء الله تعالى.
لا يدع قوم الجهادَ في سبيلِ الله إلا ضربهم اللهُ بالذّل, ولا تشيع الفاحشةُ في قومٍ قط إلّا عمهم الله بالبلاء, أطيعوني ما أطعتُ الله ورسوله, فإذا عصيتُ الله ورسوله فلا طاعةَ لي عليكم, قوموا إلى صلاتِكم يرحمكم الله.
-سبقه إلى أنواع البر:
خرَّج أحمد ومسلم عن أبي هريرةَ -رضي اللهُ عنه- قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: (من أصبحَ منكم صائماً؟)
قال أبو بكر: أنا. قال: (فمن تبعَ منكم اليومَ جنازة؟)
قال أبو بكر: أنا. قال: (فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً؟)
قال أبو بكر: أنا. قال: (فمن عادَ منكم اليوم مريضاً؟)
قال أبو بكر: أنا. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ما اجتمعن في امرئٍ إلَّا دخلَ الجنة).
-هو الخيرُ كلُّه:
عن طارق قال: جاءَ ناسٌ إلى ابن عباس -رضيَ الله عنْهما- فقالوا: أي رجلٍ كان أبو بكر؟
قال: كان خيراً كلَّه, أو قال: كالخير كله على حِدّه كانت فيه.
-أوّلياته:
هو -رضي الله عنه- أول من أسلم, وأول من جمعَ القرآنَ الكريم, وأول من سمّاه مصحفاً, وأول من سمي خليفة, وأوّل من ولي الخلافة وأبوه حيّ, وأول خليفة ماتَ وأبواه حيّان, وأول خليفة فرض له رعيته العطاء, وأول من اتّخذ بيتَ المال, وأول من لقبَ في الإسلامَ لقب عتيقاً, وأول من لقبَ بشيخِ الإسلام, وأول من قاء تحرُّجاً من الشبهات, وأول من غسلته زوجتُه في الإسلام.
-وفاته:
امتد المرضُ بأبي بكر -رضي الله عنه- خمسة عشر يوماً, والناسُ يعودونه وهو يثقل كلّ يوم حتى توفي ليلة الثلاثاء لثمانٍ بقين من جُمادى الآخرة, سنة ثلاث عشر من الهجرة.
-عند موتِ أبي بكر - رضي الله عنه -:
قال سعيد بنُ المسيّب: ثمّ ارتجت مكة برجة هي دون الأُولى, فقال أبو قحافة: ما هذا؟ قالوا: ابنك مات!
قال: رزء جليل, فمن ولي الأمر بعده؟ قالوا: عمر. قال: صاحبه.
- حديثُ أمِّ معبد "حديثٌ جميل, وفيه صفاتُ الرسولِ -صلى الله عليه وسلم- " :
عند هجرةِ النبيّ -صلى الله عليه وسلّم- وصاحبه أبي بكر-رضي الله عنْه- , مرّوا في طريقهم على خيمة أمِّ معبد الخزاعية, وكانتْ بَرْزة (تبرز للرجال عفيفة) جلدة تحتبي بفناء القبّة ثمّ تسقي وتطعم.
فسألوها تمراً ولحماً يشترونه منها, فلم يصيبوا عندها من ذلك شيئاً, وكان القومُ مُرْملين (أي: نفدت أزوادهم) مُسْنِتين (مجدبين أصابتهم السنة وهي القحط) فنظر رسولُ الله -صلى الله عليه وسلّم- إلى شاة في كِسر الخيمة (أي: جانبها) فقال: (ما هذه الشاة يا أمّ معبد؟) قالت: خلفها الجهد عن الغنم.
قال: (أتأذنين لي أن أحلبَها؟) قالت: نعم بأبي أنتَ وأمي إن رأيتَ بها حليباً فاحلبها, فدعا بها رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- فمسح لها ضَرعها وسمى الله ودعا لها فتفاجَّت عليه (أي: فتحتْ ما بين رجليها) ودرَّت ودعا بإناء يُريض الرهط (أي: يرويهم حتى يثقلوا فيربضوا) فحلب سحّاً (أي لبناً سائلًا كثيراً) حتى علاه البهاء (بريقُ الرغوة) ثمّ سقاها حتى رويت ثمّ سقى أصحابه حتى رووا ثمّ شرب آخرهم ثمّ حلب ثانياً بعد بدء حتى ملأ الإناء ثم غادره عندها وبايعها وارتحلوا (يعني: عنها) فقلّ مالبثت حتى جاء زوجُها أو معبد يسوق أعنزاً عجافاً تساوكن (أي: تمايلن) هُزالاً مخهن قليل, فلمّا رأى اللبنَ عجبَ وقال: من أين لك هذا يا أمَّ معبد؟, والشاء عازب (بعيد عن المرعى) ولا حَلوب في البيت؟
قالت: رجل ظاهر الوضاءة, أبلج (مشرق الوجه) حسن الخلق, لم تعِبْه ثُجلة (عظم البطن) ولم تُزْر به صعلة (صغر الرأس), وسيم قسيم, في عينَيه دَعَج (سواد), وفي أشفاره وطف (طول), وفي صوته صَحَل (بحة) وفي عنقه سَطَع (طول), وفي لحيته كثاثة. أزجُّ (رقيق طرف الحاجبين), أقرنُ (القرن هو: التقاء الحاجبين) إن صمت فعليه وقار, وإن تكلم سما وعلاه البهاء, حلو المنطق, فصل لا نزر ولا هذر, كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن, لا يائس من طول, ولا تقتحمه عينٌ من قصر, غصن بين غصنين, فهو أنضر الثلاثة منظراً, وأحسنهم قدراً, له رفقاء يحفون به, إن قال أنصتوا لقوله, وإن أمر تبادروا لأمرِه, محفود (مخدوم) محشود (مجتمع عليه) لا عابس ولا مُفْنِد (وهو الذي لا فائدةَ من كلامِه) قال أبو معبد: هذا والله صاحبُ قريش الذي ذكرَ لنا من أمرِه ما ذكر بمكةَ, ولقد هممتُ أن أصحبه.
هذا والله أعلم.
اللهم صلِّ على محمد وعلى آلهِ وصحبِه أجمعين.
رضي الله عن الصحابة, ورحمَ عليّ الطنطاويّ رحمةً واسعة, وأمواتَ المسلمين.
ريم بنْت خالد بن سليم.
1434/10/27هـ
الثلاثاء.
بسم الله الرحمن الرحيم والصّلاة والسلام على رسولِ الله وعلى آله وصحبه أجمعين, أما بعد:
هذه حياةٌ فخمة.. ليست حياةَ واحد, ولكنّها حياةُ أُمة, أُمّة حملت مصباحَ النّور, حين عمّ الكونَ الظلامُ, وأرشدت العالم التائه في عُباب الجهل, إلى شاطئ العلم, وكانت حضارتُها المدرسة التي خرّجت العقل البشري وثقّفته, كما خرّجته المدرسة اليونانية من قبلُ وثقّفته.. فكان لها الفضل على كلِّ إنسان, وكانت حضارة أساسها التوحيد والفضيلة, وأساس حضارة اليونان الشرك والرذيلة, ينسبونها إلى آلهتهم المزعومة, ويودعونها الميتولوجي التي فيها أخبارهم.
حياة أبي بكر هي الصفحة الأولى من التاريخِ الإسلامي, الذي بهر كلَّ تاريخٍ وبذّه, والذي لم تَحْوِ تواريخ الأمم مجتمعةً بعض ما حوى من الشرفِ, والمجدِ, والإخلاص.
حسناً هذه اقتباساتٌ من كتاب "أبي بكرٍ الصديق" لعليّ الطنطاويّ -رحمهُ الله-.
-اسمه ولقَبُه وكُنْيتهُ:
*عبد الله:
جمهور أهل النسبِ على أن اسمه الأصلي: عبد الله, سمّاه به النبي -صلى الله عليه وسلّم- لمَّا أسلم, وكان اسمه من قبلُ عبد الكعبة, وجزم البخاري وغيره من المحدّثين بأنّ اسمه عبدُ الله يؤيدهم في ذلك أحاديث كثيرة.
*عتيق:
وكثير من المحدّثين على أنّ اسمه عتيق ويؤَيدهم قول بعضِ الأنصار يوم السَّقيفة:
فقلتم حرام نصب سعدٍ ونصبكم
عتيقَ بن عثمان حلالٌ أبا بكر
وأهل أبو بكر لها خير قائم
بها وعليّ كان أخلق بالأمر
*أبو بكر:
كنيتُه أبو بكر, وهي من البكر وهو الفتَى من الإبل, والجمع بِكار وأَبكرُ وقد سمَّت العرب بكراً, وهو أبو قبيلة عظيمة.
*الصِّديق:
اشتهر منذ الجاهلية بلقبِ الصِّديق, وذلك أنّه كان رئيساً من رؤساءِ قريش, وكانتْ إليه الأشناق (وهي الدِّيات), فإذا تَحمَّل شَنَقاً أمضَتْ حمالَتَه وقامت معه, وإذا تحمَّلها غيره خذلوه ولم يُصدّقوه.
ودُعي في الإسلام الصِّدِّيق, ليلة أُسْري بالنبي -صلى الله عليه وسلّم-, فأصبح يُحدّث الناس بذلك, فارتدَّ أُناس كانوا آمنوا به, وسعى رجالٌ من المشركينَ إلى أبي بكر, فقالوا: هل لك إلى صاحبِك؟ يزعم أنّه أُسري به الليلة إلى بيتِ المقدس!
قل: وقد قالَ ذلك؟
قالوا: نعم.
قال: لئن قالَ ذلك لقد صدق.
قالوا: تصدّقه أنّه ذهب الليلةَ إلى بيتِ المقدس وعاد قبل أن يصبحَ؟
قال:نعم إني لأصدّقه فيما هو أبعد من ذلك, من خبر السماء في غدوة أو روحة.
ثمّ انتهى إلى النبي -صلى الله عليه وسلّم-, فطفق يسمعُ منه ويصدّقه, ويقول: أشهد إنك لرسولُ الله حتى إذا انتهى قال: وكنت يا أبا بكر الصديق.
-خبرُه قبلَ الإسلام:
كان أبو بكر -رضي الله عنه- أنسبَ قريش لقريش, وأعلمَ قريش بها, وبما كان فيه من خيرٍ وشرّ, وكان رجلاً تاجراً ذا خُلق ومعروف, وكان رجالُ قريش يأتونه ويألفونه, لغير واحد من الأمر: لعلمه وتجارته وحسنِ مجالسته وكان مشيراً لهم ومحبباً إليهم, فلما جاء الإسلام آثره على ما سواه ودخلَ في أكملِ دخول!
-لم يشربْ خمراً:
قالت عائشةُ -رضي الله عنها-: حرمَ أبو بكر الخمر في الجاهليةِ فلم يشربْها في جاهلية ولا إسلام, وذلك أنَّه مر برجلٍ سكرانَ يضع يدَه في العَذِرة ويدنيها من فيه, فإذا وجد ريحها صدف عنها -أعزّكم الله-, فحرّمها أبو بكر على نفسِه.
-تجارته:
كان في الجاهلية تاجراً. ودخل بُصرى من أرضِ الشّام وكان مع أبي طَالب في قافلتِه إلى الشّام, وكان رأسُ ماله أربعين ألف درهم, فأنفقه كلَّه في نصرةِ الإسلام فقيل له: ماذا أبقيتَ لعيالك؟ قال: أبقيت لهم اللهَ ورسوله.
-هو والأصنام:
قال أبو بكر -رضي الله عنه- في مجمع من أصحابِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ما سجدتُ لصنمٍ قط, وذلك أنِّي لمّا ناهزتُ الحلم أخذني أبو قُحافة بيدي فانطلق بي إلى مُخدع فيه الأصنام, فقال لي: هذه آلهتك الشمُّ العوالي, وخلّاني وذهب, فدنوت من الصنم وقلتُ: إنّي جائع فأطعمني, فلم يجبني, فقلت: إني عارٍ فاكسني, فلم يجبني. فألقيت عليه صخرة فخرَّ لوجهه.
-البيعةُ العامَّة:
بايع الناس بيعةً عامة بعد بيعة السقيفة, ثم تكلّم أبو بكر فقال بعد أن حمدَ الله وأثنى عليه. أمَّا بعد, أيُّها الناس فإني وليت عليكم ولستُ بخيرِكم, فإن أحسنتُ فأعينوني, وإن أسأتُ فقوِّموني, الصدقُ أمانة, والكذبُ خيانة, والضعيفُ فيكم قويّ عندي حتى أريح (أردّ) عليه حقّه إن شاء الله تعالى, والقويّ فيكم ضعيفٌ عندي حتى أخذَ منه الحقّ إن شاء الله تعالى.
لا يدع قوم الجهادَ في سبيلِ الله إلا ضربهم اللهُ بالذّل, ولا تشيع الفاحشةُ في قومٍ قط إلّا عمهم الله بالبلاء, أطيعوني ما أطعتُ الله ورسوله, فإذا عصيتُ الله ورسوله فلا طاعةَ لي عليكم, قوموا إلى صلاتِكم يرحمكم الله.
-سبقه إلى أنواع البر:
خرَّج أحمد ومسلم عن أبي هريرةَ -رضي اللهُ عنه- قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: (من أصبحَ منكم صائماً؟)
قال أبو بكر: أنا. قال: (فمن تبعَ منكم اليومَ جنازة؟)
قال أبو بكر: أنا. قال: (فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً؟)
قال أبو بكر: أنا. قال: (فمن عادَ منكم اليوم مريضاً؟)
قال أبو بكر: أنا. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ما اجتمعن في امرئٍ إلَّا دخلَ الجنة).
-هو الخيرُ كلُّه:
عن طارق قال: جاءَ ناسٌ إلى ابن عباس -رضيَ الله عنْهما- فقالوا: أي رجلٍ كان أبو بكر؟
قال: كان خيراً كلَّه, أو قال: كالخير كله على حِدّه كانت فيه.
-أوّلياته:
هو -رضي الله عنه- أول من أسلم, وأول من جمعَ القرآنَ الكريم, وأول من سمّاه مصحفاً, وأول من سمي خليفة, وأوّل من ولي الخلافة وأبوه حيّ, وأول خليفة ماتَ وأبواه حيّان, وأول خليفة فرض له رعيته العطاء, وأول من اتّخذ بيتَ المال, وأول من لقبَ في الإسلامَ لقب عتيقاً, وأول من لقبَ بشيخِ الإسلام, وأول من قاء تحرُّجاً من الشبهات, وأول من غسلته زوجتُه في الإسلام.
-وفاته:
امتد المرضُ بأبي بكر -رضي الله عنه- خمسة عشر يوماً, والناسُ يعودونه وهو يثقل كلّ يوم حتى توفي ليلة الثلاثاء لثمانٍ بقين من جُمادى الآخرة, سنة ثلاث عشر من الهجرة.
-عند موتِ أبي بكر - رضي الله عنه -:
قال سعيد بنُ المسيّب: ثمّ ارتجت مكة برجة هي دون الأُولى, فقال أبو قحافة: ما هذا؟ قالوا: ابنك مات!
قال: رزء جليل, فمن ولي الأمر بعده؟ قالوا: عمر. قال: صاحبه.
- حديثُ أمِّ معبد "حديثٌ جميل, وفيه صفاتُ الرسولِ -صلى الله عليه وسلم- " :
عند هجرةِ النبيّ -صلى الله عليه وسلّم- وصاحبه أبي بكر-رضي الله عنْه- , مرّوا في طريقهم على خيمة أمِّ معبد الخزاعية, وكانتْ بَرْزة (تبرز للرجال عفيفة) جلدة تحتبي بفناء القبّة ثمّ تسقي وتطعم.
فسألوها تمراً ولحماً يشترونه منها, فلم يصيبوا عندها من ذلك شيئاً, وكان القومُ مُرْملين (أي: نفدت أزوادهم) مُسْنِتين (مجدبين أصابتهم السنة وهي القحط) فنظر رسولُ الله -صلى الله عليه وسلّم- إلى شاة في كِسر الخيمة (أي: جانبها) فقال: (ما هذه الشاة يا أمّ معبد؟) قالت: خلفها الجهد عن الغنم.
قال: (أتأذنين لي أن أحلبَها؟) قالت: نعم بأبي أنتَ وأمي إن رأيتَ بها حليباً فاحلبها, فدعا بها رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- فمسح لها ضَرعها وسمى الله ودعا لها فتفاجَّت عليه (أي: فتحتْ ما بين رجليها) ودرَّت ودعا بإناء يُريض الرهط (أي: يرويهم حتى يثقلوا فيربضوا) فحلب سحّاً (أي لبناً سائلًا كثيراً) حتى علاه البهاء (بريقُ الرغوة) ثمّ سقاها حتى رويت ثمّ سقى أصحابه حتى رووا ثمّ شرب آخرهم ثمّ حلب ثانياً بعد بدء حتى ملأ الإناء ثم غادره عندها وبايعها وارتحلوا (يعني: عنها) فقلّ مالبثت حتى جاء زوجُها أو معبد يسوق أعنزاً عجافاً تساوكن (أي: تمايلن) هُزالاً مخهن قليل, فلمّا رأى اللبنَ عجبَ وقال: من أين لك هذا يا أمَّ معبد؟, والشاء عازب (بعيد عن المرعى) ولا حَلوب في البيت؟
قالت: رجل ظاهر الوضاءة, أبلج (مشرق الوجه) حسن الخلق, لم تعِبْه ثُجلة (عظم البطن) ولم تُزْر به صعلة (صغر الرأس), وسيم قسيم, في عينَيه دَعَج (سواد), وفي أشفاره وطف (طول), وفي صوته صَحَل (بحة) وفي عنقه سَطَع (طول), وفي لحيته كثاثة. أزجُّ (رقيق طرف الحاجبين), أقرنُ (القرن هو: التقاء الحاجبين) إن صمت فعليه وقار, وإن تكلم سما وعلاه البهاء, حلو المنطق, فصل لا نزر ولا هذر, كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن, لا يائس من طول, ولا تقتحمه عينٌ من قصر, غصن بين غصنين, فهو أنضر الثلاثة منظراً, وأحسنهم قدراً, له رفقاء يحفون به, إن قال أنصتوا لقوله, وإن أمر تبادروا لأمرِه, محفود (مخدوم) محشود (مجتمع عليه) لا عابس ولا مُفْنِد (وهو الذي لا فائدةَ من كلامِه) قال أبو معبد: هذا والله صاحبُ قريش الذي ذكرَ لنا من أمرِه ما ذكر بمكةَ, ولقد هممتُ أن أصحبه.
هذا والله أعلم.
اللهم صلِّ على محمد وعلى آلهِ وصحبِه أجمعين.
رضي الله عن الصحابة, ورحمَ عليّ الطنطاويّ رحمةً واسعة, وأمواتَ المسلمين.
ريم بنْت خالد بن سليم.
1434/10/27هـ
الثلاثاء.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق